الجمعة، 16 مايو 2014

فقط... للتذكير


لو سألت أي إنسان عن أهم  الركائز في حياته والتي لا يستطيع أن يعيش بعيدا عنها لوجدته يذكر لك ثلة من الأشخاص المقربين له سواء قرابة دم أو قرابة إنسانية صنعتها عشرة السنين، وبعد ذلك مباشرة سيتكلم عن أشياء محيطة به سواء مادية أو روحية متعلقة بالظرف والمكان، وكلنا بشر نتعلق بالناس ونتعلق بأشيائنا وما تعودنا على رؤيته والتنعم بريحته ونحس أننا لا نكون فعلا نحن بمعنى الكلمة إلا ونحن في ذلك المحيط بالذات بكل مكوناته عموماً.
وبعد هذه المقدمة التي لا يختلف عليها ذوو عقل، فلندخل في صلب الموضوع ولنتصور جميعاً أن أحدا يتهجم عليك بكل طغيان ودون أدنى حق، فيقتل أقربائك وأحبابك ثم يقرر أن يقتلعك من محيطك أي من بيتك، و حيك و مدينتك بل وبلدك كله، فيطردك خارج الحدود ويهجرك غصبا عنك، ويدمر كل أشيائك ويمسح كل أثرك ويستولي على ذلك كله ويرميك خارجا بلا مأوى و بلا حماية، ويصعقك بقوله "هذه أرضي وليست أرضك" 
تصور هذا كله، واعتبر أن كل هذا يحصل معك ولا أحد يهب لمساعدتك وأن لا حول لك ولا قوة، مجروح البدن والروح، مسلوب الحق والأرض والأهل والممتلكات، تزحف من موطنك باحثا عن أرض أخرى تأويك لعلك تهدأ فتفكر فيما يحدث معك، فتستفيق من صدمتك...تلك هي النكبة! 
هكذا أصورها من منظور إنساني بحث دون الدخول في تفاصيل الواقعة ومعناها السياسي والديني، فقط ليدرك كل ذي عقل ما الذي حصل ببساطة ويستشعر قمة الوجع قبل أن تعمي بصيرته الصورة الحالية والتي تجردت عند الكثيرين من أصل الحكاية وأولوها بما لا صلة له بالموضوع البتة، وصاروا يجرمون الضحية ويتآمرون على المدافع عنها ويرتدون عذر الدفاع عن النفس بوقاحة لا منتهية..! 
بالنسبة لي فلسطين تعني الكثير دينيا وتاريخيا وكجزء من كيان أعتبر نفسي خلية منه، ولكن كإنسانة فالفلسطيني المهجر أخي، وأعتقد أني مقربة إليه بحكم روابط تجربة اغتراب أستطيع من خلالها تذوق جزء من مرارة ما عاشه ويعيشه الفلسطيني المبعد عن دياره قهراً، فكوني مغتربة عن بلدي الأم أعرف تماما ما يعنيه أن تعيش مدة مطولة بعيداً عن كل ما تحبه وتشتهي أن ترجع إليه أكثر من أي شيء آخر، وتشعر بكيانك يتسمم من حر ذلك الشوق الدفين، تحاول أن تتعايش مع حاضرك الذي فرض عليك طبعاً، لكن الدمعة لا تزال عالقة بعينك كلما ذكرت بلادك على مسمعك، تفرح كلما لقيت مهجرا آخر مثلك كأن وجوده يخيل إليك أنك لست وحدك في محيط ليس يشبهك وأنك معه قد تسترجع شيئا ولو قليلا مما تحن إليه، وفي داخلك يزيد الألم كلما زاد يكبر عدد السنين التي تمضي على النكبة ولا شيء يتغير، ولا أمل يزور أفق مبتغاك الأول والأخير، ثم دون أن تستسلم لأن ذلك ليس أبدا من شيمك ولأنك على كل حال لن تكون أسعد لو سلمت الأمر لما هو عليه، فتحاول أن تبقي الذكرى في أذهان الجيل الجديد الذي لم يعرف فلسطين إلا فيك وأيضا في كل مساحات الإنسانية التي تستقبل كلمتك كبرهان خالد عن أكبر جريمة إنسانية ارتكبت منذ عقود ولا زال مرتكبوها في سلام آمنين لا من يسائلهم ولا من يحاسبهم.. بل إنهم لا زالوا يجرمون والله يرى ويشهد، ولن يسلم ظالم من عقاب ولو بعد حين.
وفي الأخير لا يغيب عن بال مسلم أن فلسطين ليست كأي أرض، ومكانتها عند كل مؤمن بعقيدة الإسلام لا تسمو إليها تلك التي يدعيها غاصبوها وأهلها أحق بها من قوم لا يقيمون العدل ويحسبون أنفسهم ملوك الأرض، فالقضية كما يعلم كل ذي حكمة لم تكن يوماً قضية سياسة ولو شبه لذلك، وإنما هي قضية عقيدة فالذي لا يتواضع لله وينشر جبروته في الأرض ولا هو يقيم شرع الله ولا هو يستقيم لقوانين بشرية ويستعلي بنفسه فوق كل شيء، لا عجب أن يكون كاذبا مفسدا لا ذي حق كما يدعي، والتاريخ لن ينسى فهنا فقط مجرد...تذكير، فقط لا أكثر، والكل يعلم لكن لعل البعض ينسى.
وعلى سبيل الحب لا ننسى فإن مواجعنا ما عادت ترثي فلسطين وحدها، إن قلب حضارة الإسلام كلها معلول من بغداد إلى الشام وأرض الكنانة، عجل الله لنا بالفرج.

الخميس، 15 مايو 2014

وكأنك يا زيد ما غزيت

ولم أعلم أنك بالهوى هلاك 
وأن الصب قد يأتي بالإفك
وأن أصدق الحديث فيه شك 
حتى رأيت تلك الفعال منك 
فما الذي رماني إليك 
وقد صددت بابي عنك 
وسموت بفؤادي احتراسا منك 
ثم سئمت مني وسرتُ إليك 
وقلت في نفسي إنك ملك 
لي بعد أن بعتني كل سرك 
ففتحت بابي وقلت لا إمساك
وهممت بالدعاء لك آنذاك
وعددت فضائلك ومحاسنك 
واصطنعت عندي مقاما لك 
وغفوت على حكايتي تلك 
فإذا بك ذاك الصباح تفتك 
بها وبي وأنت لها تحبك 
عذب القصيد ورميتنا وراءك 
فأي هوى كان وأي باطل ذاك
أفرأيت لو كنت مكانك 
لما استكثرت أن أستعفيك 
وما كسرتك بالخبر صكا
ويح لك..
ما رأيت بعد ذلك إلا المغادرة
تخلت الريح عن السفينة 
فقادها الموج صوب اليابسة 
فلعلها هناك تجد السكينة 
وليهنأ شن.. بطبقة 

الخميس، 8 مايو 2014

كيف نبتسم؟


أخاف أخاف أن لا يبقى هناك سبب للبسمة يا صغيرتي، قد مضى من العمر الكثير وقد كنا نعيش كأننا نسينا أو كنا نتناسى، لم يكسر أحد حاجز الصمت من قبل وكان الكل يعلم أن هناك شيئاً خاطئاً في الوضع بل هي أشياء كثيرة تعايشنا معها ولم نفكر يوماً أن نعارض أو نقول عاليا ما تكبته أنفاسنا.
أحيانا اعتقدت أننا فعلا صرنا متحدين نشبه بعضنا في كل شيء، نتحدث بنفس اللسان ونأكل من ذات الطعام، ونجابه نفس المشكلات، أفراحنا واحدة، كنيسة ومسجد وتاريخ يجمعنا تحت ظله، حتى المذاهب لم نكن نعرف لها وجوداً في واقعنا، فقط نشاهدها في المسلسلات ونسمع عنها في تلك النقاشات الحامية التي تبثها برامج السياسة التعيسة، كان كل شيء كأنه عادي...تقريبا. 
وكلما زاد الوعي، ظهرت تلك الحقائق وبدا كل شيء واضحاً، نحن شعب متعدد الأعراق والأجناس والأديان والمذاهب، ولا ندري حقا ما الذي يجمعنا، أهو الوطن؟
أي وطن ؟!
كيف نسميه ، أي صورة نعطيه، أي لون نهديه؟
ثم نرجع فنسأل: ما نحن؟ 
أي شيء يميزنا ؟ كيف نعرف بأنفسنا؟ 
وهناك...بدأت الحرب! 
وعلمنا أننا إن لم نسرع بإدراك الجواب فهناك من سيتفرغ لذلك ويخبرنا كيف يرانا، وسوف نضطر لنختار أي الأطراف تشبهنا وقد لا يمنحوننا فرصة الإختيار، من الممكن جدا أن يمسحونا من الوجود...كإجابة قاسية على السؤال : ما نحن؟ 
صار العالم يتحدث عن الكرامة والحرية ومقامات فلسفية لا يفقهها السلاح والدم، يعتقدون أن من يفتح عينيه على عالم لا يعرف كيف يسميه ولا موقعه منه، سيتلقى شعارات الحرية ببساطة وهو محكوم عليه منذ أزمان أن لا يفكر ولا يقع في مستنقعات الفلسلفة والفكر، يريدون أن ننسلخ من عصمة الجلاد وهو يحمل فوق أعناقنا سيفه.
لم يعد هناك سبب حقيقي لنبتسم يا صغيرتي، فنحن كنا نبتسم فقط لذواتنا حين نلتقي بالحبيب فنعشق وتغيبنا أبيات الشعر في غمرات الهوى، وكنا نبتسم لمّا بخجل نخفي أسرار حبنا ومغامرات الجنون كأنها ملفات مخابراتية أميركية لا يجوز أن تعبث بها أياد معلومة، وكنا نبتسم لما نحصل على علامات ممتازة بالمدرسة، وكنا نبتسم لمّا تمطر على بيتنا القديم فنلعب غير آبهين ونتجارى تحت زخات المطر، وكنا نبتسم لمّا نقبل أيادي أمهاتنا وهن يدعين لنا كل صباح ومساء، وكنا نبتسم لمّا تنجب إحدى نسائنا ونصبح أكثر، وكنا نبتسم لمّا يتخرج أحد أبنائنا ونفرح لجهده وتعبه، وكنا نبتسم لمّا نلتقي في العيد ونأكل الحلوى ونتبادل الهدايا، وكنا نبتسم لأننا مجتمعون في مكان واحد وقلوبنا على بعضها..
ثم اختفى كل ذلك ذات حرب،
لا أم نجد ريحها ونقبل يديها 
ولا حبيب نحتمي بأحضانه وندفن عنده الهلع
ولا صديق نختلي به ونقاسمه قهوة الصباح
ولا صغير نذوب في براءة عينيه ونجيب على أسئلته الوجودية الإستثنائية
ولا جار نعيش معه الحياة كما كانت
ولا مدرسة ولا جامع، ولا كنيسة ولا بيتنا القديم ، وحتى المطر صار يأتينا قذائف تؤذينا ولم نعد نلعب ولا نبتسم.
الأم والصغار ذبحوهم والحبيب اعتقلوه والجار انقلب ضدنا والمدينة غرقت في الدم والدمار، وشجرة الزيتون وحدها ظلت هناك تقاوم وحدها، أيقتلعونها يا ترى؟ 

الأربعاء، 23 أبريل 2014

أرواح منكسرة

الفصل الأول

إذا نظرت إليهم شدتك ابتسامتهم العريضة وبشاشة وجوههم المتعبة، وإذا تحدثت معهم وجدت في كلامهم دفء محبة لا منتهية كأنهم لا يعرفون سوى الحب لينشروه من حولهم، وإذا أكلت معهم شعرت أنك ملك في رحاب جنة يصنعونها لك بأيديهم دون مقابل، مزاحهم اللطيف يأسرك وعيونهم لمّا تحط عليك تكاد تنصهر من الخجل، إنهم رائعون...رائعون ولكن.
وراء كل ابتسامة مشاكل بحجم السماء، خلافات جوهرية حول مفاهيم الحياة ورؤى المستقبل، ونظرة للدين كجزء مكون للشخصية عند بعضهم تقابلها نظرة عند البعض الآخر تعتبر الدين مجرد موروث ثقافي 
البعض الأول يعد تلك البلاد كبلد غربة ولجوء والبعض الآخر يراها بلد الأحلام والأمنيات...
الحرب وما جاءت به، فرصة هروب لبعضهم ومرحلة بلاء عظيم للبعض الآخر، دمار وقتل ، موت وخطر دائم، غياب الأمان وإحساس بالغربة القهرية الأبدية اللاختيارية 
تناقضات راسخة تسمم الحياة وتنغص طعم الوجود، اكتشفت من خلالها كيف أن الواحد منا مطالب جدا وبقوة بالتفكر في معنى حياته واختياراته سواء كانت اعتقادية أو متعلقة بنمط وكيفية الحياة التي سيعيشها!

في أسرتي، الدين محرك أساس للحياة، هو المنبع الأصل الذي منه تعلمنا الصحيح والخطأ في المعاملات و في الأخلاق وفي الإيمان، وبالموازاة فهمنا بعد طول عناء مُربينا (جزاهم الله الجنة خالدين فيها أبدا) أن هناك فصولا من العبادات المفروضة علينا، الغاية منها دوام العناية بمصباح الإيمان كي لا ينطفئ، كالمطر يسقي الشجر.
قد فهمنا أن الله لا يحتاج لصلاتنا ولا صيامنا ولا دعواتنا، بل نحن الفقراء لكل ذلك، وإدراك ذلك المعنى خطوة أساسية للتمكن من بلوغ مرحلة الإقتناع الذاتي وحمل الدين لا كعبئ ثقافي نرثه من أجيال سبقونا، بل كعنوان نعرف به أنفسنا قبل الحديث عن الجنسيات والأعراق والأنساب، لابد أن يكون الدين جزءًا من الكيان حتى نحبه بصدق ونفخر به بل ونفرح لأننا ممن هدينا إليه.
إن من الطبيعي جدا أن يصير الواحد منا يكره الدين ويفر منه فرار الهرة من الماء، حين لا يعي منه سوى المفروض والممنوع! الإنسان بطبعه لا يحب أن يكون مرغما على فعل الأشياء دون أن يستوعب ما يكسب من وراء تلك الأفعال، وأتحدث عن الكسب المباشر لا عن المدى البعيد ( الجنة والنار)، فلو ظللنا ندعو الناس لهذا الدين بالجنة والنار فقط لما آمن لنا أحد! الناس تحتاج لما يعينها على عيش الدنيا أولا، أوليست الأولى مقدمة على الآخرة ترتيبا؟! 
فلم نمسحها كليا من الخطاب الدعوي ونعتبرها مجرد طريق بالمعنى المختصر جدا...

الجمعة، 14 مارس 2014

أضغاث أحلام



هب أنك تمتلك الفانوس السحري وأنك مطالب بسرد أمنياتك وتخيل ماذا تريد أن تحقق في حياتك، ما هي الأشياء التي تريد أن تعيشها والتجارب التي لطالما حلمت بخوض غمارها، أنا طرحت هذا السؤال على نفسي أو لنقل أطرحه باستمرار، لاأن الطموحات تتغير خلال فترات الحياة ولأنني مزاجية لحد ما ولكن بكل الأحوال يمكن أن أقول إن سرد الأمنيات ليس من الأشياء التي أستصعبها ويوجد دوماً بحوزتي بحر من الأحلام 
لا يهمني كثيرا كم منها سوف يتحقق وكيف بقدر ما يهمني أن أحلم كل يوم، لست من الناس الذين تغشاهم الغمة بمجرد أن يعيشوا نكسة حلم، عندي قناعة أن كل ما لا يتم لم يكن له أن يتم يوما، وفي النهاية حتى ولو حزنت وبكيت فقناعتي تعيد لي وعيي ولو بعد حين
لو سألوني اليوم عن أحلامي لقلت 
إني أحلم أن أكتب كتاب أو أكثر، وأنشر مؤلفاتي التي ستحمل اسمي وصوتي للعالم وستكون لي بصمة أتركها من خلفي يوم ينتهي رصيد أيامي 
وأحلم أن أكتسب من العلم في مجال القرآن ما هو ممكن فأتعمق فيه إلى جذور التفاصيل الدقيقة 
وأحلم أن أسافر لأماكن بعيدة وأجوب كل تلك البلاد التي تجذبني إليها وهي كثيرة 
وأحلم بالحب على هيئته الصافية النقية لأرعى قلب إنسان أخصه بنفسي وأخبئ عوالمي كلها على شرفات ابتسامته 
وأحلم أن أغير شيئا بهذا العالم البئيس من نافذة إمكانياتي على مبلغ علمي وفي حدود اختصاصي 
وأحلم أن أقابل قبل مماتي كل من هم أكابر بعيني وأرى النور في صدري حين أكون معهم وبحضرتهم 
وأحلم بأشياء أخرى لا يليق بها أن تنشر كلها 

لعل الناظر للحياة من زاوية الموت القادم لا محالة هو الأبلغ إدراكا لمساعيها الفانية، فهو يرسم الطريق المؤدية لأحلامه معتبراً عامل الوقت المحدود بطرفيه (الولادة والموت)، فلا يضيع أيامه في بلوغ مساعٍ لا تغني ولا تسمن من جوع وكذلك لا يتكاسل عن الكد والتعب للوصول لأهدافه.

السبت، 21 سبتمبر 2013

السعادة عادة حب



بعض المسلسلات والأفلام السينمائية والروايات تعرض أفكاراً رائعة فيما يخص العلاقات الإنسانية، ربما ليست أفكاراً مبهرة وجديدة لحد ما، لكن من حيث اللمسة الجميلة التي تتركها في نفوسنا يمكنني أن أقول إنها ملهمة وتستحق على أقل تقدير تجربتها في حياتنا اليومية، تماما كما نفعل بالنسبة للوجبات الشهية التي يعرضون طريقتها في برامج المطبخ، أو كما نفعل بالنسبة لموجات الموضة التي تجتاح الأسواق وتغرينا بها عارضات الأزياء وتلك المجسمات التي يضعون عليها الثياب بتنسيق مثير يزينونه بالمجوهرات وفاخر الأحذية، كل ذلك يثير إعجابنا في الأخير، فنستسلم لرغبة التجربة، الإمتلاك والتميز و..الشره أحيانا.

فماذا لو كان سبب استسلامنا أسمى من ذلك وأروع، 
ماذا لو كان الداعي هو الحب أو شيء من مشتقاته وهي كثيرة..

الخميس، 30 مايو 2013

سحابة رمادية

الوداع دائما مقرف كيفما كانت الظروف، لكنه جزء من الحياة 
قالت وهي تبكي : لا، عادي أصلاً كان الأمر متوقعاً.
هذا بالذات هو الغريب في الحكاية، أنها كلها متوقعة من ألفها إلى يائها.
قال لها: أنا آسف، أنا فعلا آسف.
الأسف هو ردة الفعل الوحيدة التي تليق بهكذا مواقف، ومن لا يأسف على وردة تذبل وجنة تتصحر.
في النهاية لا شيء مهم، قد تصادف في حياتك شخصا غريباً عنك يجلس إزائك يراقب كلامك وتصرفاتك باهتمام، يحاورك ويسألك عن نفسك ألف سؤال، قد تنصرف عنه ولا تعيره اهتماماً وقد تتلاعب به وتجيبه بأكاذيب وخرافات لتتسلى، وقد تفتح له قلبك على مصراعيه، اختيارك رهين بمن تكون وما تريد
أما النتيجة فليس لك فيها يد، ستتحمل ما يأتيك من الزمان بحلوه ومره، لأنها مجرد صدفة.
بعض الصدف لو كان بيدنا اختياراجتنابها كنا دون شك ابتعدنا عنها مسافات، لكنها صدف مقدرة.
ستظل فينا ذكراها لكن لا نبالي لا نبالي، 
البال ينبغي أن يرتمي على كل أمر ذي بال، 
لا شيء يستحق أن تذرف الدموع لأجله وتتورم العيون،
لا شيء يستحق أن يتخفى عند كل منام، 
الوهم وهم مهما حصل، فحصنوا قلوبكم وعقولكم وكل شيء فيكم، حصنوها أن تغدو تنهيدة طويلة الأمد.
يا زمان أفرح تلك القلوب الدفينة فرحة ليس بعدها حزن.
ليتنا نستعير عيون أحكم الحكماء لنبصر بها حياتنا فنختصر الطريق.

الثلاثاء، 28 مايو 2013

الدين بين المد والجزر

فأما الملحدون فصاروا بيننا في كل مكان، وفي الواجهة الأخرى هناك المتدينون وبينهما شريحة هي الأكبر أسميهم "الباحثون عن الطريق" فهم ليسوا مشككين قابلين للرفض التام للدين وليسوا كذلك مقتنعين بكامل حيثيات الدين وعندهم توجس حيال بعض النقاط، وحتى الذي هم به مقتنعون فعندهم صعوبة فاضحة في نقله من القلب إلى الواقع، هم مؤمنون ولكن...
وهي ظاهرة لها أسباب عديدة طبيعية من أولها احتكاكهم بالطرفين الأولين : فالملحدون يجادلون فيما يجهله هؤلاء وذلك يثير التساؤلات عندهم، والمتدينون غالبهم يثير الرهبة في نفوس هؤلاء، يخافون من غلوهم وغلظتهم ولا يرون فيهم تلك الصورة التي يحتاجونها في الدين
وطبعاً هناك أسباب أخرى كثيرة تختلف من فرد لآخر، تحوم كلها حول الرؤية التي يمتلكها الإنسان عن الحياة وكمية الإرادة التي يستطيع أن يربطها بفكرة في ذاته وليس فقط بهدف يضعه نصب عينيه، يعني تلك القدرة على تغيير أسلوب الحياة بشكل تام

الخميس، 4 أبريل 2013

تساؤلات في ماهية المديح


لماذا نمدح من يعجبنا؟ 
أليس بإمكاننا الإبقاء على ذلك الأثر الجميل الذي يتركه أي إنسان بدواخيلنا؟ 
أم أننا نبوح بالمديح لغاية أكبر من المديح نفسه.. 
عندما يعجبنا لون السماء أو لون عيون قط يمر من أمام بيتنا أو صوت أذان يتسلل لمسامعنا لا نركض بالضرورة خلف القط أو عند المؤذن لنخبرهم، نكتفي بآهٍ وتنهيدة عابرة تصاحبها ربما ابتسامة ارتياح، وإحساس بسعادة عيش تلك اللحظة الخاصة..

لكن عندما يتعلق الأمر بإنسان مثلنا، نجد الكلمات الطيبة تتقاطر من ألسنتنا بغزارة، نمدح الصوت المرهف والعيون البحرية والكحيل، نمدح الفستان الأنيق وربطة العنق المميزة، نمدح تفاصيل صغيرة كالذاكرة القوية والثقافة الشمولية، والتصرفات الحميدة وأشياء كثيرة نلاحظها فنرسم سطرين تحتها، أحياناً لِنشكر من خلال المديح فنعبر عن امتنان غير مباشر، وأحياناً أخرى لِنباشر بعلاقة جديدة نجعل المديح تعليلاً لافتتاحها، ومراتٍ كثيرة نمدح هكذا بدون سبب، نمدح بعفوية كتعليق على ما نفكر به أو ما نظنه فيهم وحياتنا كلها ملئى بالظنون أو ما أسميه أنا "ملئ الخانات"، فالإنسان لا يستطيع أن يتوقف عن التصنيف وتقييد كل إنسان بخانة طبقاً لما يعرفه عنه.

ويقولون كثيراً "خاب أملي فيك" فما معنى أن يكون لك أمل في إنسان؟ القصد طبعاً هو مجرد تعبير آخر مفاده "أنك لم تتصرف كما توقعت أنا أن تفعل وذلك يضعني في موقف المخطئ الذي أساء التقدير" وعكس ذلك هو المديح، حين نرى تماما ما نتوقعه أو بالأحرى ما نحب وقوعه وربما أحيانا ما نتمنى لو كنّا نحن أنفسنا أبطال حكايته.

الثلاثاء، 12 فبراير 2013

تذكرة


الحمد لله من العمق، الحمد لله على كل شيء ما أدركت وما فاتني، ليس مهمّا أن يهتمّ من حولك، الزهد أن تكون غنياً عن تلك الأفكار العقيمة التي لا تثمر بداخلك سوى بعض الأمل والكثير من الألم، في الحقيقة لابد من استشعار وحدة الموت قبل الموت، لابد أن تتذكر من وقتٍ لآخر أنك في الأخير لا تساوي شيئاً عند كل حميم لو خيرتهُ بينك وبين نفسه، ذلك يعيد توازن العواطف برأسك فترجع لتنادي من إليه الرجوع ومن عنده كانت البداية، العلاقات الإنسانية تبقى إنسانية مهما كانت رائعة فهي لا تضاهي جمالية علاقة الإنسان بربّه! 
ليس هناك إنسان حيٌ على هذه الأرض عنده استعداد ليسامحك كلما أخطأت ولو تعددت هفواتك، وبالمقابل يضاعف جزاء حسناتك أضعافاً مضاعفة.. 
ما أفقر الملحدين لذلك الحضن الرباني لينتشلهم من وحدانية الغرور ولا رادّ لهم من ظلمات القبر..
ما أحوج المؤمنين لتصحيح صلاتهم و ظنونهم حين التوجه لأرحم الرّاحمين فيعلقوا كل أمنياتهم برب العالمين، ويعرضوا عن ربط جلّ رغباتهم بإنسان آخر لا يقدر على شيء، ضعف الطالب والمطلوب..
والحمد لله رب العالمين


"أنا عندي حلم"


وحلمي أكبر منّي وأجمل، حلمي مرتبط بأجمل شيء رُزقت به في هذه الحياة، حلمي يهيجُ غرامي وأشواقي، وينثر بذاتي شيئاً من التفاؤل العجيب، حلمي جاء متأخراً لكنّه منذ جاء رسم أمام عيني الطريق وقال ٱمضي ولا تضيعي المزيد من زمنٍ لم يبق منه الكثير، حلمي نعمة وعملٌ مُجهد ومحاولات في سبل الثبات وفي السريرة دعوات تزيد وتزيد، وحلمي مولودٌ جديد وصديقٌ صدوق و مديرٌ صارم وأشياء أخرى معجزاتٌ للملل موجباتٌ للأمل.
حُلمي هو بقية عمري، وهو أنيس لما بعد غفوتي الأخيرة، وهو مُعين على كل عسيرة، وهو بصمة أبتغي تركها من ورائي أثراً لوجود كان ولم يعد فكلنا إلى فناء، وهو شفيع لما سبقه وما قد يصحبه من معصية، وهو نور ليس كمثله نور، وهو حجة ثقيلة حملها شديد مهيب وتركها خسران مبين، وهو ثلة من الأمنيات المباركات، حُلمي زينة حياتي البسيطة.

قليل من كثير

  
أراد الله أن يكونا موجودين في نفس المكان وفي نفس المدة، لكن معهما في ذلك ملايين أخرى من البشر.. 
كانت تبحث عنه في كل الوجوه 
وهو كان يتأمل ويأمل 
كانت تبتسم كلما خرجت من الغرفة تفاؤلا بلقياه صدفة بذلك الشارع الكبير 
وكان يفطر على آخر رسالة منها تجديداً للهمة
كانت تنظر وتنتظر فتملّ وتعود لتفكر، الأفكار أحياناً أجمل من الواقع 
كان يموت شوقاً لذلك اللقاء ويتحسر على الزمن الذي يمضي دون أن يدركهما اللقاء..
أراد الله أن يلتقيا دوماً من بعيد ولو كانا أقرب مما يظنان، فلم يلتقيا أبداً ويستحيل لقاء قلبين يتشابهان كأنهما قلب واحد، كأن الأرض والسماء ترفضان ذاك الإلتحام، فالسماء حيث هي بديعة الجمال ولو اقتربت من الأرض ولو بقليل ما كان الإنسان ليراها بذات الجمال، وكلاهما حيث هو جميل منيرٌ كبدرين يتلئلئان في سمائيهما ولا شيء سوى بعادهما يديم ذلك البريق، تلك حكايتهما.

فعندما يرتاح الفؤاد يغيب المنطق عن البال، يغيب الواقع بكل بشاعته كالغواص لا يرى سوى روائع البحار منتشلا من عقله فكرة الرجوع للسطح لأنها في حقيقة الأمر شرط مفروض وليست فكرة واردة، أمّا الغطس في أعماق المحيط فهي فكرة من صنع الإنسان قاده لترسيخها رغبة من صميم ذاته تهوي نحو البعيد المجهول وكذلك دوماً تفتتن النفوس، أحياناً لِخير شاملٍ مستحق وأحياناً لسوء ذميم فيه ابتلاء والخير دوماً أبداً فيما اختاره الله.

الجمعة، 1 فبراير 2013

ديباجة رحلة الفرقان


باب " مختارات ذهبية"


1.
من فيضِ حُــــبِّــــه لِــشَيـــخِـــه
*** 
ويَــقِـــينِــه من عِــظـم قَـدْرعِلْــمٍ ارتوى من بعضه
***
 سَقَــــانَا مِنْهُ فَعَطِشْنَا اذْ عَرَفْنَا لذَّة مذاقِــــــهِ

2.
وجدَّدنا النية.. معاً في سبيلٍ لا تهوي إلا إلى الجنة!
3.
وقال مبشراً :"هذا درب سلكتموه فيه كل الخير وهو خير الخير، يقال لأهله ارتقوا حتى اذا بلغوا الفردوس، فهنيئا لكم، رزقنا الله الإخلاص! فلا يكون عملنا رياء ولا نفاقاً، وإنما ابتغاء لمرضات الله"

4.
وقال نذيراً :"من يخوض في تعلم القرآن فلابد أن يصاحبه بنية التعليم، فهو نعمة لا يجوز الاحتفاظ بها ومنعها عن عباد الله، كما أنك مسؤول عنهم فسيقولون يوماً، بلا كانوا فينا لكنهم لم يدعونا لشيء.."

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

الفرح هل بوادينا

أحيانا تتغير أشياء كثيرة من حولي بسرعة فائقة لا تمهلني لأتمكن من استيعاب ما يحدث، يتحول القريب لبعيد ويقترب مجهول ليصبح أقرب الأقربين، ويمضي الوقت ولا يوقفه أحد.

من أكبر مراحل الحياة عند أهل البشر تلك التي نسميها "الزواج"، حين يجتمع قلبان يحتويهما شخصان لِيكتبا تفاصيل جديدة ويرسما لوحة حياتهما معاً، يقتلع كل واحد منهما الآخر من عش دافئ اصطنع بداخله، ليصبحا بدورهما ركيزة عش آخر يبنيانه من حب وعطف يفرغانهما فيه، أسطورة قديمة لا زالت تؤسس الحياة.
قد يعتقد البعض بساطة الأمر المفرطة، وقد يكون ذلك فعلا بسيطاً لو كان كل فرد مستقيم الحكمة والبصيرة، لكنّ الناظر والعارف بحيثيات المعاملة يشهد كم إنّها قد تكون مستعصية، فيها الحلو والمر، والأهم أن تستمر بتكافؤ المشاكل والحلول ولا تندثر المودة وسط عقبات الحياة فهي السّر كله.

ولقد جاء من أقصى المدينة رجل شديد البياض، قصير القامة، جميل الهيئة فابتسم وقال إنه يريدها له، فقالت على استحياء إن الله فاعل لما يريد وسكتَت رضيّة مستبشرة، وجاء أهل المدينة سائلين راغبين لأجله مستحضرين رضوان الله فوق كل شأن، فتراضى الطالب والمطلوب وأقر الشاهد، وزفّت العفيفة لموطن الدلال عند باغيها سيد الرجال، وسالت دمعة الفراق، وأُذن للرحمات أن تحف قلبين توحدا على خير فأكرمهما الباري بشرف البركات ودعا الحاضر والغائب فارتفع موكب الدعوات ليسمو عاليا تتمايل ثماره على أطيب وأطهر ريحانة ومعها محمود الفِعال.
بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
بارك الله لكِ أخية.. سأشتاقكِ وماضينا المديد، لكِ حبي وأحلى متمنياتي.

الخميس، 1 نوفمبر 2012

مع القرآن


أتذكر أني في مرحلة الطفولة كنت أجد صعوبة كبيرة في إدراك أن القرآن الكريم كتاب الله المُنزل على عبده المصطفى محمد بن عبد الله آخر المرسلين (عليه الصلاة والسلام) هو معجزة إلهية عظيمة، كان المعلم يحكي لنا عن قصص ذكرت في القرآن لأنبياء سابقين وكان يستفيض في ذكر تلك القصص بشكل بسيط نفهمه فحكى لنا عن موسى وعصاه التي تصير حية فترهب أعين الناس وتلقف ما جاء به سحرة فرعون فيسجد السحرة، وتحدث كثيرا عن مريم العذراء التي لم يلمسها أحد والتي أنجبت بأمرٍ من الله عيسى عليه السلام الذي كان يتكلم في المهد والذي كان يشفي الأبرص والأكمه وينبأ الناس بما يذخرون في بيوتهم ويحيي الموتى بإذن الله وغيرهم من الأنبياء والرسل الذين كانت لهم معجزاتهم المذهلة، ولكن معجزة الإسلام لم تكن آنذاك بنظري مذهلة مقارنة بما كان قبلها، لم أكن أجد تفسيراً لذلك الإحساس الغريب الذي ينتابني كأنه عدم اقتناع ببساطة المعجزة التي ليست سوى كتاباً فيه قصص ومواعظ و أوامر ونواهي ووعيد ونذير وبشرى للمؤمنين، لم يكن بالنسبة لي ذلك الكتاب مذهلا حد الدهشة فليس شيئاً غير اعتيادي خارج عن المألوف...هكذا كنت للأسف لا أستشعر الإعجاز القرآني، كنت أعتقد أن المعجز لابد أن يكون خارقا للعادة بشكل مرئي لا ينكره آدمي ولا مخلوق، لم ألتمس عمق المعنى ولم أدرك ماهية الإعجاز ولا دوره.
فمضى الزمن وصرتُ أتقدم في دروس اللغة العربية وبلغت أن فتحت باباً اسمه البلاغة، ذلك الباب الذي يُعتبر بالنسبة لي من أهم الأبواب في كل اللغات، فمن الضروري طبعا أن تعرف القراءة والكتابة وتفهم معنى المفردات ويمكن
ك حتى أن تتقن إعراب الكلمات فتصير قادراً على تفسير سبب ورود كلمة في مكان ما ودورها في سياق الكلام، لكن أن تدخل في مجال البلاعة فذلك إتقان شامل لكل ما ذكر آنفاً، أي أنك تستطيع وبقدر من الحروف المختصرة أن تصنع فكرة بسيطة أو معقدة بصيغة جميلة أنيقة ومختصرة، فتستعمل في ذلك كل أدوات اللغة الممنوحة سواء الإعرابية أو الإصطلاحية مضيفا لها المهارة الشخصية لتبدع بكل لباقة وذكاء.
 

الخميس، 18 أكتوبر 2012

ومضة حنين


اشتقتُ يا حبيبتي لِعينيك الخضراوين تشرقان كالشمس في حياتي صباح مساء، وأنت تحضرين قهوة الصباح أقبلكِ على خدك فتتمايلين وتراوغين عناقي الذي يحتضنك بقوة وبصمتٍ جميل تبادلينني لهفة اللقاء، طال الغياب حتى طال الشوق فيكِ كل شيءٍ يا ملهمتي..اشتقتُكِ سعيدة فرحانة، غضبانة، كسلانة، متألقة وحتى نائمة، المهم وجودكِ بالقرب مني لا يفصلني عن خفقات قلبك سوى يدي أضعها على صدرك فتتردد موجات صوتها بامتداد داخل شرايين جسمي..

كم أشعر بتفاهتي حينما كنتُ لا أكترث لإنزعاجك مني والله يعلم أنك لا تنزعجين إلا لشيء فيه كل خير لي ولم أطعك فيه، اعذري جنوني فأنت القلب السمح والعفْو الكريم، قلّما أدركتُ الوصول لشبر ممّا أنت فيه، سبحانك ربي ذا الفضل العظيم، تخلقني وترزقني من غير حول مني ولا قوة وتزيدني من فضلك، لك الشكر والثناء كله، سبحانك ربي إني أسألكَ المعونة لتحقيق أمنية أنت بها العليم، فيها سبيل لوصل إسمي بأسمى المعجزات وفيها مفخرة لأهلي والخلان.. وأحسب الحبيبة سوف ترضى عن الهدية فيا ربُّ يسر ولا تعسر، يا رب فيك الرجاء.

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

ثروة الحياة

لو كنت أمًّا وصار لازما أن أُعَلِّم ابنتي أحد الدروس الدنيوية لقُلت لها بكل صدقٍ :
"لا شيء يبقى على حاله يا ابنتي لا شيء..."
منذ الميلاد حتى الممات لا تتوقف أجسادنا عن التغيير، نكبر وننضج، ثم نكبر فنهرم، وخلال تلك الفترة المحددة لأشخاصنا، بجانبنا من بعيد أو قريب يموت آخرون ويولد آخرون،
وتستمر اكتشافاتنا على متن الحياة، نتعلم أشياءً كثيرة ونتحرر، ثم تستعبدنا أشياء أخرى نتعلق بها كما لا ينبغي، إنها العواطف صبغة خُلقنا عليها أحيانا تسعدنا وأحيانا كثيرة ترهقنا، هي التي تجعلنا نتمنى ما لا نملك ويعجبنا وتمضي بنا إلى تملكه ثم إذا ما فقدناه تمزقت دواخيلنا حرقة،
وفي الحياة نتذوق المعرفة، معرفة الأشياء والأشخاص، نعشق ابتسامة الطفل الصغير وهو يلعب في الحديقة مع أقرانه، فتمضي الأعوام وتختفي الابتسامة البريئة، نغوص في عوالم الصداقة حيث نتعثر مرات ومرات قبل أن نجد الشخص الذي تعكس عيناه وكل حركاته صورتنا الذاتية، تلك التي أصبحنا نتمثل في هيئتها, بعد صور أخرى انسلخنا منها، تلك التي ميَّزت بيننا وبين آخرين نشؤوا وترعرعوا داخل نفس بيئتنا فتغيروا وتغيرنا وتغيرت معالم حياتنا، بغتة يسرقهم منَّا الزمن وتفاصيل أخرى لا مفر منها،
هكذا ويتغير كل شيء حولنا باستمرار، نبتعد ونقترب، نغوص ونسبح ، نغترب ونرجع، نموت ونحيا ولا يبقى إلا وجه ربنا ذو الجلال والإكرام وقد أعذر من أنذر.
ثروة الحياة في ثوراتها المتكررة، فالتغيير وإن كان عسيرا أحيانا هو غالبا خير مايمكن أن يحدث، التغيير ليس من الضروري أن يكون كبيرا دوما، إنما أجمله الذي يحدث بالهداوة شيئا فشيئا، وكل نهاية بداية.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

في كل شر أريدَ به خير

وضل عني الطريق الى الهوى بعد أن بلغني منه الأذى
فكل ما به قلبي قد تعلقا ليس له أن يكون فيم عنه ربي قد نهى
فهلا قطعت منه الرجا ورجعت الى نفسك لعلها تتوب فتزكى
فكلنا يا صاح، كلنا نسعى وآخر السعي أن إلى ربك الرجعى 
الأصل أني وأنك لا نرى وفي الرؤى حق باطلا إلينا خُيِّلا
فكما ليس كل ما يلمع ذهبا كذلك ليس الجميل كل ما أعجبا
وإن الحلال والحرام كان بيِّنا لمن آمن بالله واتقى
فان عرفت ما خفي وما تجلى من ذا الكلم وما له من صدى
فصل وسلم على خير الورى وكن ممن إلى سنته اهتدى
والحمد لله وكفى

السبت، 25 أغسطس 2012

بين القوامة والتسلط



قد تكون صادقا في حرصك، أمينا على أهلك، متعطشاً لطاعة ربك، وفي حياتك امرأة أو فتاة تريدها ان تدخل معك الجنة، لكن هل تساءلت يوماً كيف الى ذلك السبيل؟ كيف ترى قوامة الرجال على النساء من منظورك؟ وهل تعاليم الاسلام اولى عندك أم تقاليد المجتمع ومعتقداتك الشخصية؟

من اكثر المواضيع التي "تعالجها" المسلسلات والافلام العربية وينتقد بها العالم الغربي نقيضه الشرقي، هو مشكلة اضطهاد بعض الرجال لحقوق النساء بإسم الاسلام، وفي ذلك نصيب من الحقيقة لا ينكرها أحد، ولو أن الكثيرين يستنكرون ذلك لا دفاعا عن النساء بل كرها وحقدا للاسلام والمسلمين، وهذا ليس موضوعنا، فالرجل العربي بوجه عام ولو ان الحكم يدخل فيه حتى بعض الأعاجم والشعوب المُعَربة، كأنه لا يدرك ان المرأة انسان مثله تماما، لها ما لها ولها ما عليها ولا فضل لذكر على أنثى من حيث المبدأ.
واذا كان بعض الرجال استفحلت "رجولتهم" الى درجة ان يعتبر المرأة كائنا كأنه عالة عليه، لا تدرس ولا تتعلم حتى لا تخرج فيراها الناس فتزيغ عن سيطرته، ليس لها رأي يأخذ به، وليس لها شغل شاغل غير اطعام الرجل والسهر على رعايته ورعاية ذريته، ليس لها الحق في أن تخطئ فخطؤها وشمة عار لا تغفر... ذلك ما نسميه المجتمعات المحافظة وما أكثرها الى اليوم في مناطق كثيرة من الوطن العربي.

الاثنين، 9 يوليو 2012

ولِي في كل موطن حبيب

أغار من كل عصفور يحلق في السماء حرا طليقا يحط على صوامع وكنائسٍ ويمشي بخفة في ساحات وميادين وطنٍ مزقته الحدود وجعلت بين كل شبر وشبر منه احجاراً وحاجزاً مصنوعاً من بشر مهمَّته الحراسة على انزواء الوطن...
أحقاً ما عاد يجمعنا غير موسم من الغناء والرقص على اشلاءٍ ندعوها ثقافتنا؟
أم ان الاعلام فعلا قد ادرك ان المسلسلات والمباريات هي سر وحدتنا فغمرنا بكرمه وقال اخسؤوا هذا رمضانكم...

"شكراً هذا لطف منكم!"
هكذا قالت احدى المتظاهرات السوريات اثناء مسيرة باريس، فهل نستحق الشكر ان ثار فينا عرق الأخوة والانسانية؟ لا والله، واجب ولكنَّنا وطَّنَّا العرقية والانتماءات الجغرافية في صميم قلوبنا حتى جعلناها أول منظار نبصر به الكون من حولنا: فأنا من أنا ومن أين أصلي والى من انتمي، ثم باقي البشر...
ونحن أصلا جُعِلنا قبائل وشعوبا لمَ؟ لِ "نتعارف"!
أي ان المفروض ان نتجاوز انتماءاتنا ونندمج مع الآخرين ونعرف البعض ببعضه الآخر ولا نقضي كل حياتنا في تمجيد قدرٍ أراد ان يضمنا لهذي القبيلة او تلك، فكما انك لا يمكن ان تفتخر بشكلك الذي لم تصنعه لا يعقل ان تفتخر بانك وُجدت ضمن شعب وهو ذات الخالق الذي أرادك بتلك الهيئة نفسه الذي جعلك فرداً من ذاك الشعب.
طبعاً، لا أدعو لنكران الأصل واعتبار الامر شيئا مقدراً لا يُهتم له، بل ادعو للاحساس بالانتماء من خلال الآخر، فإنك حين تحتك بالآخر تعيش انتماءك فيه، وأنت تحتفي بخصوصيتك وتجعلها تظهر علانية فعلا وقولا، أما الافتخار الزائد عن حده المفتقر الحجة فهو مجرد عصبية لا حاجة له ولا يولد الا الصدام وهو أساس الفُرقة والخلاف.