الثلاثاء، 12 فبراير 2013

قليل من كثير

  
أراد الله أن يكونا موجودين في نفس المكان وفي نفس المدة، لكن معهما في ذلك ملايين أخرى من البشر.. 
كانت تبحث عنه في كل الوجوه 
وهو كان يتأمل ويأمل 
كانت تبتسم كلما خرجت من الغرفة تفاؤلا بلقياه صدفة بذلك الشارع الكبير 
وكان يفطر على آخر رسالة منها تجديداً للهمة
كانت تنظر وتنتظر فتملّ وتعود لتفكر، الأفكار أحياناً أجمل من الواقع 
كان يموت شوقاً لذلك اللقاء ويتحسر على الزمن الذي يمضي دون أن يدركهما اللقاء..
أراد الله أن يلتقيا دوماً من بعيد ولو كانا أقرب مما يظنان، فلم يلتقيا أبداً ويستحيل لقاء قلبين يتشابهان كأنهما قلب واحد، كأن الأرض والسماء ترفضان ذاك الإلتحام، فالسماء حيث هي بديعة الجمال ولو اقتربت من الأرض ولو بقليل ما كان الإنسان ليراها بذات الجمال، وكلاهما حيث هو جميل منيرٌ كبدرين يتلئلئان في سمائيهما ولا شيء سوى بعادهما يديم ذلك البريق، تلك حكايتهما.

فعندما يرتاح الفؤاد يغيب المنطق عن البال، يغيب الواقع بكل بشاعته كالغواص لا يرى سوى روائع البحار منتشلا من عقله فكرة الرجوع للسطح لأنها في حقيقة الأمر شرط مفروض وليست فكرة واردة، أمّا الغطس في أعماق المحيط فهي فكرة من صنع الإنسان قاده لترسيخها رغبة من صميم ذاته تهوي نحو البعيد المجهول وكذلك دوماً تفتتن النفوس، أحياناً لِخير شاملٍ مستحق وأحياناً لسوء ذميم فيه ابتلاء والخير دوماً أبداً فيما اختاره الله.

الجمعة، 1 فبراير 2013

ديباجة رحلة الفرقان


باب " مختارات ذهبية"


1.
من فيضِ حُــــبِّــــه لِــشَيـــخِـــه
*** 
ويَــقِـــينِــه من عِــظـم قَـدْرعِلْــمٍ ارتوى من بعضه
***
 سَقَــــانَا مِنْهُ فَعَطِشْنَا اذْ عَرَفْنَا لذَّة مذاقِــــــهِ

2.
وجدَّدنا النية.. معاً في سبيلٍ لا تهوي إلا إلى الجنة!
3.
وقال مبشراً :"هذا درب سلكتموه فيه كل الخير وهو خير الخير، يقال لأهله ارتقوا حتى اذا بلغوا الفردوس، فهنيئا لكم، رزقنا الله الإخلاص! فلا يكون عملنا رياء ولا نفاقاً، وإنما ابتغاء لمرضات الله"

4.
وقال نذيراً :"من يخوض في تعلم القرآن فلابد أن يصاحبه بنية التعليم، فهو نعمة لا يجوز الاحتفاظ بها ومنعها عن عباد الله، كما أنك مسؤول عنهم فسيقولون يوماً، بلا كانوا فينا لكنهم لم يدعونا لشيء.."

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

الفرح هل بوادينا

أحيانا تتغير أشياء كثيرة من حولي بسرعة فائقة لا تمهلني لأتمكن من استيعاب ما يحدث، يتحول القريب لبعيد ويقترب مجهول ليصبح أقرب الأقربين، ويمضي الوقت ولا يوقفه أحد.

من أكبر مراحل الحياة عند أهل البشر تلك التي نسميها "الزواج"، حين يجتمع قلبان يحتويهما شخصان لِيكتبا تفاصيل جديدة ويرسما لوحة حياتهما معاً، يقتلع كل واحد منهما الآخر من عش دافئ اصطنع بداخله، ليصبحا بدورهما ركيزة عش آخر يبنيانه من حب وعطف يفرغانهما فيه، أسطورة قديمة لا زالت تؤسس الحياة.
قد يعتقد البعض بساطة الأمر المفرطة، وقد يكون ذلك فعلا بسيطاً لو كان كل فرد مستقيم الحكمة والبصيرة، لكنّ الناظر والعارف بحيثيات المعاملة يشهد كم إنّها قد تكون مستعصية، فيها الحلو والمر، والأهم أن تستمر بتكافؤ المشاكل والحلول ولا تندثر المودة وسط عقبات الحياة فهي السّر كله.

ولقد جاء من أقصى المدينة رجل شديد البياض، قصير القامة، جميل الهيئة فابتسم وقال إنه يريدها له، فقالت على استحياء إن الله فاعل لما يريد وسكتَت رضيّة مستبشرة، وجاء أهل المدينة سائلين راغبين لأجله مستحضرين رضوان الله فوق كل شأن، فتراضى الطالب والمطلوب وأقر الشاهد، وزفّت العفيفة لموطن الدلال عند باغيها سيد الرجال، وسالت دمعة الفراق، وأُذن للرحمات أن تحف قلبين توحدا على خير فأكرمهما الباري بشرف البركات ودعا الحاضر والغائب فارتفع موكب الدعوات ليسمو عاليا تتمايل ثماره على أطيب وأطهر ريحانة ومعها محمود الفِعال.
بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
بارك الله لكِ أخية.. سأشتاقكِ وماضينا المديد، لكِ حبي وأحلى متمنياتي.

الخميس، 1 نوفمبر 2012

مع القرآن


أتذكر أني في مرحلة الطفولة كنت أجد صعوبة كبيرة في إدراك أن القرآن الكريم كتاب الله المُنزل على عبده المصطفى محمد بن عبد الله آخر المرسلين (عليه الصلاة والسلام) هو معجزة إلهية عظيمة، كان المعلم يحكي لنا عن قصص ذكرت في القرآن لأنبياء سابقين وكان يستفيض في ذكر تلك القصص بشكل بسيط نفهمه فحكى لنا عن موسى وعصاه التي تصير حية فترهب أعين الناس وتلقف ما جاء به سحرة فرعون فيسجد السحرة، وتحدث كثيرا عن مريم العذراء التي لم يلمسها أحد والتي أنجبت بأمرٍ من الله عيسى عليه السلام الذي كان يتكلم في المهد والذي كان يشفي الأبرص والأكمه وينبأ الناس بما يذخرون في بيوتهم ويحيي الموتى بإذن الله وغيرهم من الأنبياء والرسل الذين كانت لهم معجزاتهم المذهلة، ولكن معجزة الإسلام لم تكن آنذاك بنظري مذهلة مقارنة بما كان قبلها، لم أكن أجد تفسيراً لذلك الإحساس الغريب الذي ينتابني كأنه عدم اقتناع ببساطة المعجزة التي ليست سوى كتاباً فيه قصص ومواعظ و أوامر ونواهي ووعيد ونذير وبشرى للمؤمنين، لم يكن بالنسبة لي ذلك الكتاب مذهلا حد الدهشة فليس شيئاً غير اعتيادي خارج عن المألوف...هكذا كنت للأسف لا أستشعر الإعجاز القرآني، كنت أعتقد أن المعجز لابد أن يكون خارقا للعادة بشكل مرئي لا ينكره آدمي ولا مخلوق، لم ألتمس عمق المعنى ولم أدرك ماهية الإعجاز ولا دوره.
فمضى الزمن وصرتُ أتقدم في دروس اللغة العربية وبلغت أن فتحت باباً اسمه البلاغة، ذلك الباب الذي يُعتبر بالنسبة لي من أهم الأبواب في كل اللغات، فمن الضروري طبعا أن تعرف القراءة والكتابة وتفهم معنى المفردات ويمكن
ك حتى أن تتقن إعراب الكلمات فتصير قادراً على تفسير سبب ورود كلمة في مكان ما ودورها في سياق الكلام، لكن أن تدخل في مجال البلاعة فذلك إتقان شامل لكل ما ذكر آنفاً، أي أنك تستطيع وبقدر من الحروف المختصرة أن تصنع فكرة بسيطة أو معقدة بصيغة جميلة أنيقة ومختصرة، فتستعمل في ذلك كل أدوات اللغة الممنوحة سواء الإعرابية أو الإصطلاحية مضيفا لها المهارة الشخصية لتبدع بكل لباقة وذكاء.
 

الخميس، 18 أكتوبر 2012

ومضة حنين


اشتقتُ يا حبيبتي لِعينيك الخضراوين تشرقان كالشمس في حياتي صباح مساء، وأنت تحضرين قهوة الصباح أقبلكِ على خدك فتتمايلين وتراوغين عناقي الذي يحتضنك بقوة وبصمتٍ جميل تبادلينني لهفة اللقاء، طال الغياب حتى طال الشوق فيكِ كل شيءٍ يا ملهمتي..اشتقتُكِ سعيدة فرحانة، غضبانة، كسلانة، متألقة وحتى نائمة، المهم وجودكِ بالقرب مني لا يفصلني عن خفقات قلبك سوى يدي أضعها على صدرك فتتردد موجات صوتها بامتداد داخل شرايين جسمي..

كم أشعر بتفاهتي حينما كنتُ لا أكترث لإنزعاجك مني والله يعلم أنك لا تنزعجين إلا لشيء فيه كل خير لي ولم أطعك فيه، اعذري جنوني فأنت القلب السمح والعفْو الكريم، قلّما أدركتُ الوصول لشبر ممّا أنت فيه، سبحانك ربي ذا الفضل العظيم، تخلقني وترزقني من غير حول مني ولا قوة وتزيدني من فضلك، لك الشكر والثناء كله، سبحانك ربي إني أسألكَ المعونة لتحقيق أمنية أنت بها العليم، فيها سبيل لوصل إسمي بأسمى المعجزات وفيها مفخرة لأهلي والخلان.. وأحسب الحبيبة سوف ترضى عن الهدية فيا ربُّ يسر ولا تعسر، يا رب فيك الرجاء.

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

ثروة الحياة

لو كنت أمًّا وصار لازما أن أُعَلِّم ابنتي أحد الدروس الدنيوية لقُلت لها بكل صدقٍ :
"لا شيء يبقى على حاله يا ابنتي لا شيء..."
منذ الميلاد حتى الممات لا تتوقف أجسادنا عن التغيير، نكبر وننضج، ثم نكبر فنهرم، وخلال تلك الفترة المحددة لأشخاصنا، بجانبنا من بعيد أو قريب يموت آخرون ويولد آخرون،
وتستمر اكتشافاتنا على متن الحياة، نتعلم أشياءً كثيرة ونتحرر، ثم تستعبدنا أشياء أخرى نتعلق بها كما لا ينبغي، إنها العواطف صبغة خُلقنا عليها أحيانا تسعدنا وأحيانا كثيرة ترهقنا، هي التي تجعلنا نتمنى ما لا نملك ويعجبنا وتمضي بنا إلى تملكه ثم إذا ما فقدناه تمزقت دواخيلنا حرقة،
وفي الحياة نتذوق المعرفة، معرفة الأشياء والأشخاص، نعشق ابتسامة الطفل الصغير وهو يلعب في الحديقة مع أقرانه، فتمضي الأعوام وتختفي الابتسامة البريئة، نغوص في عوالم الصداقة حيث نتعثر مرات ومرات قبل أن نجد الشخص الذي تعكس عيناه وكل حركاته صورتنا الذاتية، تلك التي أصبحنا نتمثل في هيئتها, بعد صور أخرى انسلخنا منها، تلك التي ميَّزت بيننا وبين آخرين نشؤوا وترعرعوا داخل نفس بيئتنا فتغيروا وتغيرنا وتغيرت معالم حياتنا، بغتة يسرقهم منَّا الزمن وتفاصيل أخرى لا مفر منها،
هكذا ويتغير كل شيء حولنا باستمرار، نبتعد ونقترب، نغوص ونسبح ، نغترب ونرجع، نموت ونحيا ولا يبقى إلا وجه ربنا ذو الجلال والإكرام وقد أعذر من أنذر.
ثروة الحياة في ثوراتها المتكررة، فالتغيير وإن كان عسيرا أحيانا هو غالبا خير مايمكن أن يحدث، التغيير ليس من الضروري أن يكون كبيرا دوما، إنما أجمله الذي يحدث بالهداوة شيئا فشيئا، وكل نهاية بداية.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

في كل شر أريدَ به خير

وضل عني الطريق الى الهوى بعد أن بلغني منه الأذى
فكل ما به قلبي قد تعلقا ليس له أن يكون فيم عنه ربي قد نهى
فهلا قطعت منه الرجا ورجعت الى نفسك لعلها تتوب فتزكى
فكلنا يا صاح، كلنا نسعى وآخر السعي أن إلى ربك الرجعى 
الأصل أني وأنك لا نرى وفي الرؤى حق باطلا إلينا خُيِّلا
فكما ليس كل ما يلمع ذهبا كذلك ليس الجميل كل ما أعجبا
وإن الحلال والحرام كان بيِّنا لمن آمن بالله واتقى
فان عرفت ما خفي وما تجلى من ذا الكلم وما له من صدى
فصل وسلم على خير الورى وكن ممن إلى سنته اهتدى
والحمد لله وكفى

السبت، 25 أغسطس 2012

بين القوامة والتسلط



قد تكون صادقا في حرصك، أمينا على أهلك، متعطشاً لطاعة ربك، وفي حياتك امرأة أو فتاة تريدها ان تدخل معك الجنة، لكن هل تساءلت يوماً كيف الى ذلك السبيل؟ كيف ترى قوامة الرجال على النساء من منظورك؟ وهل تعاليم الاسلام اولى عندك أم تقاليد المجتمع ومعتقداتك الشخصية؟

من اكثر المواضيع التي "تعالجها" المسلسلات والافلام العربية وينتقد بها العالم الغربي نقيضه الشرقي، هو مشكلة اضطهاد بعض الرجال لحقوق النساء بإسم الاسلام، وفي ذلك نصيب من الحقيقة لا ينكرها أحد، ولو أن الكثيرين يستنكرون ذلك لا دفاعا عن النساء بل كرها وحقدا للاسلام والمسلمين، وهذا ليس موضوعنا، فالرجل العربي بوجه عام ولو ان الحكم يدخل فيه حتى بعض الأعاجم والشعوب المُعَربة، كأنه لا يدرك ان المرأة انسان مثله تماما، لها ما لها ولها ما عليها ولا فضل لذكر على أنثى من حيث المبدأ.
واذا كان بعض الرجال استفحلت "رجولتهم" الى درجة ان يعتبر المرأة كائنا كأنه عالة عليه، لا تدرس ولا تتعلم حتى لا تخرج فيراها الناس فتزيغ عن سيطرته، ليس لها رأي يأخذ به، وليس لها شغل شاغل غير اطعام الرجل والسهر على رعايته ورعاية ذريته، ليس لها الحق في أن تخطئ فخطؤها وشمة عار لا تغفر... ذلك ما نسميه المجتمعات المحافظة وما أكثرها الى اليوم في مناطق كثيرة من الوطن العربي.

الاثنين، 9 يوليو 2012

ولِي في كل موطن حبيب

أغار من كل عصفور يحلق في السماء حرا طليقا يحط على صوامع وكنائسٍ ويمشي بخفة في ساحات وميادين وطنٍ مزقته الحدود وجعلت بين كل شبر وشبر منه احجاراً وحاجزاً مصنوعاً من بشر مهمَّته الحراسة على انزواء الوطن...
أحقاً ما عاد يجمعنا غير موسم من الغناء والرقص على اشلاءٍ ندعوها ثقافتنا؟
أم ان الاعلام فعلا قد ادرك ان المسلسلات والمباريات هي سر وحدتنا فغمرنا بكرمه وقال اخسؤوا هذا رمضانكم...

"شكراً هذا لطف منكم!"
هكذا قالت احدى المتظاهرات السوريات اثناء مسيرة باريس، فهل نستحق الشكر ان ثار فينا عرق الأخوة والانسانية؟ لا والله، واجب ولكنَّنا وطَّنَّا العرقية والانتماءات الجغرافية في صميم قلوبنا حتى جعلناها أول منظار نبصر به الكون من حولنا: فأنا من أنا ومن أين أصلي والى من انتمي، ثم باقي البشر...
ونحن أصلا جُعِلنا قبائل وشعوبا لمَ؟ لِ "نتعارف"!
أي ان المفروض ان نتجاوز انتماءاتنا ونندمج مع الآخرين ونعرف البعض ببعضه الآخر ولا نقضي كل حياتنا في تمجيد قدرٍ أراد ان يضمنا لهذي القبيلة او تلك، فكما انك لا يمكن ان تفتخر بشكلك الذي لم تصنعه لا يعقل ان تفتخر بانك وُجدت ضمن شعب وهو ذات الخالق الذي أرادك بتلك الهيئة نفسه الذي جعلك فرداً من ذاك الشعب.
طبعاً، لا أدعو لنكران الأصل واعتبار الامر شيئا مقدراً لا يُهتم له، بل ادعو للاحساس بالانتماء من خلال الآخر، فإنك حين تحتك بالآخر تعيش انتماءك فيه، وأنت تحتفي بخصوصيتك وتجعلها تظهر علانية فعلا وقولا، أما الافتخار الزائد عن حده المفتقر الحجة فهو مجرد عصبية لا حاجة له ولا يولد الا الصدام وهو أساس الفُرقة والخلاف.

السبت، 7 يوليو 2012

سيرة الحب ٢

كادت ان تكون الحياة... "يا حياتي"... هكذا كان يحب ان يسميها.
الامازيغ شعب يحب الحياة وهي كانت تأمل ان تكون تلك الحياة، كانت تتمسك بالحلم وهي تكتب له قصة الحياة التي عرفتها داخل عينيه، لم يسبق لها ان كتبت بمثل ذلك الاحساس، حين ترى طيف انسان يعانق الفكر كله وانت تنظر اليه وتبتسم كأنك تقصد انك مستعد لتتبعه اينما مضى فهو الثقة والأمان، وهو الوفاء والمحبة، كانت ابتسامته تكفي لتغري عقلها بكلمات لم ترِد الى ذهنها من قبل، وكثيرا ما كانت تؤكد له ان في نظراته شيئا ما لم تجد له تفسيرا بعد.
كانت الصباحات تشرق عندها بإشراقة رسالة تصلها منه يهدي لها فيها نسيماً من الكلِم الطيب الذي يخترق مسام جسدها وهي ترقص للحياة فرحاً وتجاهد  بداخلها رغبة عارمة بالصراخ عاليا فتسارع بطمسها وراء ارتشافة كأس من الشاي.
الامازيغ شعب يحب الالغاز، وهي كانت تتحدث بطريقة الالغاز كثيراً إلا معه، كانت نظرته للاشياء دقيقة ومبسطة فلا يرى ان هناك ما لا يعقل ان يوصف بتفصيل ولو كان مغزاه غامضا، وفي ذلك أدرك انها اقتحمت شرايين عقله اذ رسمت له طريقته في التفكير كما لم يرسمها أحد كأنه يكتشف نفسه أمامها.
كان لا يحب الانتظار الطويل وهي بطابعها الهادئ لا تكره السرعة لكنها تمارس البطئ في كل شيء، فاذا غابت حنَّ واذا حضرت وغاب اشتاقت، وظل المد والجزر يسرقان، منهما ليالي الشتوية الباردة حتى رسى الامر الى منتهاه فصار يئن إلى لقاء يرتوي به ويسقيها منه.
فكان اللقاء ذات كانون تحت المطر وباريس تئوي اليها العاشقين الى ان يذوب الثلج فينقلب كل شيء خريفاً، سقطت دمعة من هنا ومن هناك وظلت ذكرياتهما محفورة في ذاكرة باريس ،وحدها تعرف، وحدها تحتفظ بعطر ذاك السر.